وهبة الزحيلي
179
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وقيل : بل المراد به حسان بن ثابت ، قال ابن كثير : وهو قول غريب ، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك ، لما كان لإيراده كبير فائدة ، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر ، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بشعره ، وهو الذي قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « هاجهم وجبريل معك » « 1 » . ثم أدب اللّه تعالى المؤمنين الذين خاض بعضهم في ذلك الكلام السوء في قصة عائشة رضي اللّه عنها ، وزجرهم بتسعة أمور : 1 - لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ، وَقالُوا : هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي هلا حين سمعتم كلام الأفاكين في عائشة ظننتم بها خيرا ، عملا بمقتضى الإيمان الذي يحمل على حسن الظن ، وقلتم صراحة معلنين البراءة : هذا إفك مبين ، أي كذب مختلق واضح مكشوف على أم المؤمنين رضي اللّه عنها ؛ فإن الذي وقع لم يكن ريبة ، لمجيئها راكبة على راحلة صفوان بن المعطّل في وقت الظهيرة ، والجيش بكماله يشاهدون ذلك ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معهم يكشف كل سوء وينفي كل شك ، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ، بل كان يحدث - لو قدّر - خفية مستورا . وهذا أدب جم ، وفي التصريح بلفظ الإيمان دلالة على أن المؤمن لا يظن بالمسلمين إلا خيرا . 2 - لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ ، فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ أي هلا جاؤوا على ما قالوه بشهود أربعة يشهدون على ثبوت ما جاؤوا به ، وصحة ما قالوا ، ومعاينتهم ما رموها به ، فحين لم يأتوا بالشهود لإثبات التهمة ، فأولئك في حكم اللّه كاذبون فاجرون . وهذا من الزواجر .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 272